البهائية 

المبحث الاول: جذور الديانة البهائية  و عوامل نشأتها

البهائية هي ديانة توحيدية مستقلة لها تعاليم و كتاب مقدس و لها مرجع روحي يطلق عليه (ما يظهره الله) و هو ميرزا حسين علي النوري و الذي يلقب ببهاء الله و يطلق على اتباعه و مريده بالبهائيين نسبة له و الديانه بالبهائية.   من حيث التسلسل الزمني لنشأة البهائية فهي  تعود بجذورها الى الطائفة الشيعية الاثنى عشرية و سبق وجودها نشوء ديانة تعرف بالبابية و نشوء فرقة من فرق الشيعة تعرف بالشيخية و زامنها و تنافس معها الديانة البابية الازلية.  

سنتناول في هذا المقال الظروف التي ادت الى نشوء الديانة البهائية من منبعها الا و هي الفرقة الشيخية و ما تبعها من نشوء الديانة البابية و الصراع الداخلي الذي عانت منه الحركة البابية التي ادت الى نشوء الديانة البهائية     لذا نحتاج الى ان نمر سريعا على بعض المحطات المهمة المتعلقة بهذا البحث.

محطة الفرقة الشيخية

نشات الحركة او الفرقة الشيخية في القرن التاسع عشر الميلادي  على يد الشيخ احمد بن زين الدين الاحسائي الملقب يالشيخ الاوحد(1873-1826). و كان السبب في نشوء هذه الحركة هو الصراع بين النهج الاخباري الذي تبناه الشيخ الاوحد و النهج الاصولي المبني على اساس الاجتهاد الذي تبناه المرجع الشيعي المعروف السيخ  جعفر كاشف الغطاء  و ادى الصراع هذا الى اعلان الشيخ الاوحد عن  رفضه مبدأ الاجتهاد وخاصة في العقائد وتقبله للكثير من الروايات  الواردة في كتب الاحاديث المعتمدة لدى الشيعة كاصول الكافي للكليني و بحار الانوار للمجلسي و التي يشير العديد من مراجع الشيعة و شيوخها ان ليس ما كل في هذه الكتب من احاديث صحيح و بالخصوص الاحاديث و الادعية او ما يعرف بالزيارات (الزيارات: نوع من النصوص العبادية المستحبة لدى الشيعة الامامية و التي تستخدم اثناء زيارة قبور الائمة و التي تمجد  في مضمونها الامام المزار و اظهار منزلته من الله)  التي يعتقد الخط الاصولي الشيعي بانها تغالي في منازل الائمة الاثنى العشر و التي حث الشيخ الاحسائي على التمسك بها و انها السبيل للتواصل مع الائمة في المنام او الاتصال المباشر  بالامام المهدي  الثاني عشر (الامام المهدي : يعتقد الشيعة الاثنى عشرية ان هنالك امام يعرف بمحمد المهدي و هو الامام الثاني عشر الغائب منذ عام 260 هجري و يعتقدون بانه سيظهر في اخر الزمان).

بشر الشيخ الأحسائي  بقرب ظهور الامام المهدي  لقرب انقضاء ألف سنة على غيبته (اي ان السنة التي توقعها الشيخ الاوحد لظهور الامام الغائب هي 1260 هجري حيث ان الامام المهدي المولود سنة 255 هجري يعتقد انه غاب عندما كان في الخامسة من عمره حسب الاعتفاد الشيعي) ، وقام بجولة على أتباعه  ،و اخبرهم بقرب الظهور وانهم يجب ان يكونوا على أهبة الاستعداد لنصرته ، و شاع بين اتباعهان الامام  حين يظهر سوف ياتي بالكثير  من العقائد والتعاليم الجديدة، و ادخل الشيخ الاحسائي مفهوما جديدا لتفسير وجود الامام الغائب حيث قال ان الامام المهدي موجود بجسم هورقليائي و هو مصطلح فلسفي صوفي يعني اجمالاَ الجسم المثالي و طرح او فهم منه  فكرة ان الامام ممكن ان يعود الى الجسد الدنيوي بصورة شخص من اشخاصه ولكن الشيخ الاوحد  توفي قبل الموعد الذي حدده لظهور الامام المهدي بحوالي  20 سنة ، وأوصى الى  الى السيد كاظم الرشتي الذي يلقبه  الشيخية بالسيد الاستاذ  ، ليكون خليفته من بعده ،  و أوصاه   بأن يكون يقضا يترقب ظهور الامام المهدي ويمهد له, اتخذ الرشتي من كربلاء قاعدة  للتبشير بقرب ظهور الامام الغائب ، وكان يقوللأتباعهان الموعود الذي تنتظرونه موجود في وسطكم وترونه بأعينكم ولكنكم لا تعرفونه.  . مرض الرشتي و توفى قبل شهور من بلوغ العام الموعود 1260 هجري و لم يوصي لاحد بعده بخلافته لتدبر الحركة   على بعض الاراء حيث انه اعلم جماعته انه لا حاجة لذلك لان الامام المهدي سيظهر قريبا و  هو من  يقوم بتولي الامور. .

محطة الحركة البابية  

 و في ليلة 5 جمادى الاولى في سنة  1260 هجري اعلن علي محمد وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره من تجار مدينة شيراز الايرانية انه هو باب المهدي الذي حل فيه الجسدالهورقليائي للامام المهدي  و سمي بالباب و اول من امن به هو   الملا حسين بشروئي و الذي كان احد كبار تلامذة السيد الرشتي. و لقبه السيد علي محمد الشيرازي (الباب) بباب الباب كونه اول المصدقين به و اخبره بان يكتم الامر لحين ان يؤمن به 17 شخص اخرين     بدون ان يبشرهم احد بذلك.و تمت البيعة له في داره في مدينة شيراز (و الذي كان مزارا للبهائيين و البابيين لحين تهدميه بعد الثورة  الاسلامية الايرانية في عام 1979(. بشر الباب بظهور ما اطلق عليه (من يظهره الله) بعده و سمى تلاميذه ال 17 مع باب الباب بحروف الحي و الذين اخذوا على عاتقهم نشر الدعوة اليابية. و امن الكثير من اتباع المدرسة الشيخية بالحركة البابية بالاضافة الى انضمام العديد من الخاصة و العامة الى هذه الحركة و اثناء الحملة التبشيرية التي تبناها حروف الحي انضم للدعوة البابية ملا محمد المعلم الذي كان من بلدة نور التي يقيم بها الميرزا حسين علي النوري (بهاء الله) حيث يقول البهائيين ان باب الباب سلم ملا محمد المعلم ملفا من الرسائل ليسلمها لعائلة ميرزا حسين علي النوري  كونها كانت من العوائل المتنفذة في ذلك الوقت حيث كان والده   الميرزا عباس   وزير الدولة لشؤون منطقة مازندران و حين تلقى بهاء الله هذا الملف اّمن بدعوة الباب. بعد ازدياد الاعداد المنظمة للبابية ازدادت مخاوف السلطات السياسية و الدينية الايرانية  و تم اصدار أَمر بالقاء القبض على الباب  ونقله   تحت الحراسة المشددة إلى قلعة ماه كو التي تقع في منطقة  اذربيجان  الشمالية على حدود روسيا و بعدها تم نقله الى قلعة چهريق على حدود تركيا

      لم يكن الامر واضحا لدى اتباع البابية عن ماهية الحركة الجديدة  و كان هنالك نقاش فيما  اذا كانت حركة تصحيحية للنهج الاسلامي او ديانة جديدة و بدى عدم الفهم هذا واضحا في مؤتمر بدشت  حيث   اجتمع  في هذا المؤتمر   81 من البابيين   في قرية   بدشت في شمال إيران و كان بهاء الله من المؤسسين لهذا المؤتمر . ومن ضمن اهداف الاجتماع كان البحث في كيفية إنقاذ الباب   ومناقشة وضع البابيين في البلاد وطبيعة عقيدتهم. وكان لذلك المؤتمر الأثر الكبير في تحديد طبيعة هذه الحركة ويعتبر  هذا المؤتمر نقطة التحول الاساسية في الدعوة البابية حيث ادت احداثه إلى أيضاح الفرق بين الديانة البابية والإسلام فالبعض من البابيين كانوا قبلها قد اعتبروا دعوة الباب مجرد دعوة تجديدية للدين والبعض الآخر ألتبس عليهم معنى ولفظ كلمة "الباب" و لعبت  ام سلمة (زرين تاج) (التي يلقبها البهائيين بقرة العين الطاهرة  و هي المرأة الوحيدة ضمن حروف الحي و لها مكان كبيرة لدى البهائيين و يطلقون عليها كذلك  لقب أم العالم),  دورا بارزا في هذا المؤتمر حيث قامت  بشرح وتوضيح رسالة ومهمة الباب بصورة مسهبة معلنة استقلالية البابية عن الدين الاسلامي و كتوضيح للمفاهيم الجديدة بصورة علنية قي هذا المؤتمر  قامت  قرة العين يومها بالقاء خطبتها من دون الحجاب المألووف على الوجه مما ادى إلى حدوث ضجة و ترك كثير من المجتمعين المؤتمر و اعتبروا ذلك خرقا لقيم الدين الاسلامي . أما بعد المؤتمر فقد تعرض الكثير من الحضور إلى مهاجمة سكان تلك المنطقة وقتل بعض منهم في طريق العودة وسجن اخرون.

و في عام 1266 هجري بعد ستة سنوات من دعوة الباب قامت السلطات الايرانية بنقل الباب  الى تبريز و حكم عليه بإلاعدام  رميا بالرصاص بعد أن أفتى ثلاثة من كبار علماء ومجتهدي تبريز بقتله .

 صراع الاخوين 

و بسبب مكانة الميرزا حسين علي النوري (بهاء الله ) و اخيه الغير شقيق  ميرزا يحي نوري الملقب بصبح ازل  الاجنماعية و لكونهما من عائلة مرموقة و من ابرز الشخصيات التي امنت بدعوة الباب  فاصبحوا من كبار رجال الدعوة البابية البارزين و اتهموا بالضلوع بمحاوة اغتيال ناصر الدين شاه و اصدر امر القاء القبض عليهما عام 1852 ميلادي و لجأ بهاء الله الى السفارة الروسية كون لعائلته علاقة سابقة بالسفيرالروسي حيث كان اخيه كاتبا في السفارة الروسية و زوج اخته سكرتيرا للسفير الروسي  لكن كانت الضغوطات اكبر من ذلك فلم تشفع له السفارة الروسية  و تم تسلميه الى سلطات الدولة القاجارية الايرانية و اطلق سراحه بعد اربعة اشهر و صودرت جميع ممتلكاته و نفي الاخوين و مجموعة من البابية  الى  بغداد في العراق عام 1853 ميلادي و الذي كان تحت سيطرة الامبراطورية العثمانية في ذلك الوقت. تفاعل البابية مع المجتمع العراقي و بشروا بالدعوة البابية و امن بدعوتهم مجموعة من العراقيين في بغداد و كردستان العراق لكون بهاء الله اعتكف لمدة سنتين في السليمانية في شمال العراق و كان يغلب عليه ثوب التصوف فكانوا يسموه هنالك بالدرويش محمد. ,و نتيجة لزيادة نفوذ البابية و ازدياد اعدادها في العراق بدات الصراعات تدب بين الاخوين على زعامة البابية حيث ادعى كل منهما ان الباب اوصى له بالخلافة بحسب نصوص و رسائل وجهها الباب الى الاخوين فسر كل طرف منهما انه صاحب الحق بالخلافة. احست الدولة القاجارية بخطر ازدياد نفوذ البابية في العراق و ذلك لما يشكله العراق من الاهمية الدينية و السياسية للدولة القاجارية فألحت على السلطات العثمانية بابعاد البابية و قادتهم عن العراق و تم الاتفاق على نفيهم الى  اسطنبول و من ثم تم نفيهم الى ادرنه  و قبل مغادرة بغداد اجتمع بهاء الله    باصحابه في حديقة النجيبية  في بغداد و التي تقع  اليوم ضمن مجمع مدينة الطب في منطقة باب المعظم و التي يطلق عليها البهائيون بحديقة الرضوان و لمح لهم قبيل مغادرته بانه من بشر به الباب بمن يظهره الله. و يعد تاريخ هذا الاعلان اعظم مناسبة البهائين  و اهم اعيادهم و يعرف بعيد الرضوان.  توسع نطاق الخلاف بين الاخوين في منفاهم   خصوصا بعد ما اعلن ميرزا حسين علي نوري  للعلن عام 1866 دعوته و انه هو من بشر به الباب  و اسس ما يعرف بجامعة الاسم الاعظم و قام بدعوة الملوك و الرؤساء باتباع دعوته. في الوقت هذا رفص اخيه صبح ازل هذه المزاعم و ادعى انه هو  الذي من بشر الباب بقدومه و اسس بذلك ديانة البابية الازلية. على اثر صراع الاخوين و دعوتهما قامت السلطات العثمانية بنفي بهاء الله و جماعته الى عكا و نفت صبح ازل و جماعته الى قبرص.  

     

تعليقات